ابن ميثم البحراني
394
شرح نهج البلاغة
إزماعهم للترحال كناية عن اقتضاء الزمان لفنائهم من الدنيا والرحيل عنها . ثمّ استعار لفظ البيع لتعويضهم بالقليل الفاني من متاع الدنيا والكثير الباقي من متاع الآخرة . ثمّ أخذ في التذكير بنفي ضرر الموت وعدم الحياة عن إخوانه من الصحابة الَّذين قتلوا بصفّين ، وزهّد في تلك الحياة بكونها محلّ تجرّع الغصص وشرب الكدر من الآلام والأعراض ومشاهدة المنكرات ، ولمّا زهّد في تلك الحياة نبّه على مالهم في عدمها من الفائدة وهي لقاء اللَّه ، وتوفيته لأجورهم على الأعمال الصالحة ، وحلولهم في دار الأمن : أي الجنّة بعد خوفهم من فتن أهل الضلال . ثمّ أخذ في استفهام عمّن ركب طريق الحقّ ومضى عليه مستصحبا له استفهاما على سبيل التوجّع لفقدهم والتوحّش لفراقهم ، ثمّ عن أعيان أكابرهم فذكر عمّار بن ياسر . وفضله في الصحابة مشهور وأبوه عربيّ قحطانيّ وأُمّه كانت أمة لأبى حذيفة ابن المغيرة المخزوميّ ولدت عمّارا فأعتقها أبو حذيفة فمن هناك كان عمّار مولى لبنى مخزوم ، وأسلم هو وأُمّه سميّة فعذّبهما بنو مخزوم في اللَّه فأعطاهم عمّار مولى أرادوا بلسانه مع اطمينان قلبه بالإيمان فنزلت فيه « مَنْ كَفَرَ بِالله مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا » ( 1 ) وهاجر إلى أرض الحبشة ، وصلَّى القبلتين ، وهو من المهاجرين الأوّلين ، وشهد بدرا والمشاهد كلَّها ، وأُبلى بلاء حسنا ، ثمّ شهد اليمامة فأُبلى فيها أيضا ويومئذ قطعت أُذنه . وعن ابن عبّاس في قوله تعالى « أَوَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ » ( 2 ) قال : هو عمّار بن ياسر ، وعن عايشة أنّها قالت : ما من أحد من أصحاب محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم أشاء أن أقول فيه إلَّا قلت إلَّا عمّار بن ياسر فإنّي سمعته صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم يقول : إنّه ملئ إيمانا إلى أخمص قدميه . وعنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : عمّار جلدة ما بين عيني تقتله الفئة الباغية لا أنالها اللَّه شفاعتي . وعنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم من أبغض عمّاراً أبغضه اللَّه . وأمّا ابن التيّهان بياء مشدّدة مفتوحة بنقطتين من تحت ، ويروى مخفّفة ساكنة فهو من الأنصار كنية أبو الهيثم . واسمه مالك بن مالك ، وقيل : بل اسم أبيه عمرو بن الحرب وهو - ابن التيّهان - كان أحد النقباء ليلة العقبة ، وشهد بدرا ، والمشهور أنّه أدرك صفّين
--> ( 1 ) 16 - 108 ( 2 ) 6 - 122 .